تتجلى عظمة الخالق ورحمته التي وسعت كل شيء في مشاهد يوم القيامة، حيث يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن مواقف تفيض بالأمل والرجاء. ومن أعجب هذه المواقف هي قصة آخر أهل النار خروجاً منها، والتي تجسد كرم الله الذي يفوق الخيال البشري.
نص الحديث الشريف
روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إنِّي لأَعْرِفُ آخَرُ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْها زَحْفًا، فيُقالُ له: انْطَلِقْ فادْخُلِ الجَنَّةَ، قالَ: فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قدْ أخَذُوا المَنازِلَ، فيُقالُ له: أتَذْكُرُ الزَّمانَ الذي كُنْتَ فِيهِ، فيَقولُ: نَعَمْ، فيُقالُ له: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، فيُقالُ له: لكَ الذي تَمَنَّيْتَ وعَشَرَةَ أضْعافِ الدُّنْيا، قالَ: فيَقولُ: أتَسْخَرُ بي وأَنْتَ المَلِكُ؟ قالَ: فَلقَدْ رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ." (صحيح مسلم)
تفسير الموقف: لماذا قال العبد "أتسخر بي"؟
عندما نتأمل في قول العبد: "أتَسْخَرُ بي وأَنْتَ المَلِكُ؟"، نجد أنها لم تكن سوء أدب مع الله، بل كانت تعبيراً عن "الدهشة الذهول".
عدم التصديق: لم يتخيل هذا العبد، الذي خرج من النار زحفاً وعاش أهوالها، أن يُكافأ بجنة عرضها السماوات والأرض، بل وبعشرة أضعاف الدنيا وما فيها.
عظم العطاء مقابل الذنوب: استشعر العبد تقصيره وخطاياه التي أدخلته النار، فرأى أن هذا العطاء العظيم لا يتناسب مع استحقاقه الشخصي، فظن من شدة الفرح الممزوج بالتعجب أن هذا القول لا يمكن أن يكون حقيقة.
جلالة الملك: خاطب الله بلفظ "الملك" اعترافاً بعظمته، ولكنه لم يستوعب بعد أن "ملك الملوك" إذا أعطى، أدهش بالعطاء.
ضحك النبي صلى الله عليه وسلم: رحمة وبشارة
يقول ابن مسعود: "رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه (أضراسه)". وهذا الضحك من النبي صلى الله عليه وسلم يحمل معانٍ عميقة:
التعجب من حال الإنسان: ضحكٌ من ضعف استيعاب العبد لمدى كرم الله وسعة فضله.
بشارة للأمة: في ضحكه صلى الله عليه وسلم طمأنة للمؤمنين بأن رحمة الله واسعة جداً، وأن آخر من يخرج من النار سيكون مآله إلى ملك عظيم لا يتصوره عقل.
الدروس المستفادة من القصة
تعتبر هذه القصة مرجعاً إيمانياً مهماً لكل مسلم، ومن أهم فوائدها:
حسن الظن بالله: مهما عظمت الذنوب، فإن رحمة الله أعظم، طالما مات العبد على التوحيد.
الجنة لا تُنال بالعمل وحده: إنما تُنال بفضل الله ورحمته؛ فهذا الرجل لم يدخل الجنة بعمله، بل برحمة رب العالمين.
قيمة الدنيا الزهيدة: إذا كان آخر شخص يخرج من النار ينال عشرة أضعاف الدنيا، فما بالنا بمنزلة المقربين والصديقين؟
خاتمة
إن قصة آخر رجل يخرج من النار هي دعوة للتفاؤل وعدم القنوط. إنها تذكرنا بأننا نتعامل مع ربٍ كريم، يعطي الكثير على القليل، ويغفر الزلل، ويفتح أبواب الجنان حتى لمن تعثرت خطاه في الدنيا والآخرة.
